أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
11
العقد الفريد
وقيل لأعرابي قد أخذته السن : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت تقيّدني الشعرة ، وأعثر في البعرة « 1 » ؛ قد أقام الدهر صعري بعد أن أقمت صعره . وقال أعرابي : لقد كنت أنكر البيضاء فصرت أنكر السوداء ، فيا خير مبدول ويا شرّ بدل ! وقال أعرابي : إذا الرجال ولدت أولادها * وجعلت أسقامها تعتادها واضطربت من كبر أعضادها * فهي زروع قد دنا حصادها وذكر أعرابي قطيعة بعض إخوانه ، فقال : صفرت « 2 » عياب الودّ بعد امتلائها واكفهرت وجوه كانت بمائها ؛ فأدبر ما كان مقبلا ، وأقبل ما كان مدبرا . وذكر أعرابي منزلا باد أهله ، فقال : منزل واللّه رحلت عنه ربات الخدور وأقامت فيه أثافيّ « 3 » القدور ، وقد اكتسى بالنبات كأنما ألبس الحلل ؛ وكان أهله يعفّون فيه آثار الرياح ، وأصبحت الريح تعفّي آثارهم فالعهد قريب والملتقى بعيد . ذكر أعرابي قوما تغيرت أحوالهم ، فقال : أعين واللّه كحلت بالعبرة بعد الحبرة « 4 » ، وأنفس لبست الحزن بعد السرور . وذكر أعرابي قوما تغيرت حالهم ، فقال : كانوا واللّه في عيش رقيق الحواشي فطواه الدهر بعد سعة ، حتى يبست أبدانهم من القر ، ولم أر صاحبا أغرّ من الدنيا ، ولا ظالما أغشم من الموت ؛ ومن عصف به الليل والنهار أردياه ، ومن وكل به الموت أفناه . وقف أعرابي على دار قد باد أهلها ، فقال : دار واللّه معتصرة للدموع ، حطت بها
--> ( 1 ) البعرة : جمعها البعر : رجيع ذوات الخف وذوات الظلف إلا البقر الأهلي . ( 2 ) صفرت : خلت . ( 3 ) الأثافي : أحجار ثلاثة توضع عليها القدر . ( 4 ) الحبرة : الابتهاج .